على أية حال، لم يكن مفاجئاً لأحد، العودة خالية الوفاض، بعد غيبة طويلة قضتها الوفود الفلسطينية والإسرائيلية، داخل القاعات المختلفة والمخصصة للتواصل والاجتماعات، بهدف إجراء سلسلة من المفاوضات 'الاستكشافية' والتي كانت مثاراً للجدل، بين العديد من الساسة والمحللين والأكاديميين وغيرهم، حيث كان من المفروض أن تكون الفرصة الأخيرة، أمام 'إسرائيل' على نحوٍ خاص، للتوصل إلى اتفاق مشترك، بغية التوصل إلى طريق أو طرف خيط، يمكن أن يسهّل عملية العودة إلى العملية السلمية، وإعادة المفاوضات إلى المسار الصحيح. لكن هذا لم يحدث. فكما أُعلن، ومن قبل الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، لم تحرز تلك المفاوضات 'الاستكشافية' أي نوعٍ من التقدم، وذلك بطبيعة الحال لمسئولية إسرائيل المباشرة أولاً، ولاشتراك السلطة الفلسطينية تلك المسئولية ثانياً، ويمكن أن نضيف في المشاركة، الطرف الأردني كذلك. ناهيك عن الأدوار المتهرئة في الأساس، وهي التي قامت وتقوم عليها كلٌ من اللجنة الرباعية والولايات المتحدة بوجهٍ خاص.حتى الإشارات واللفتات، التي كانت 'إسرائيل' قد ألمحت إلى الجدية في اتخاذها، كبادرة حسن النية، لم تتخذ قبل إجراء المفاوضات وإلى حد الآن، وما دام هكذا النمط الإسرائيلي، فإنه لن يُتخذ في المستقبل أي منها، وهي فيما يتعلق، باستبعاد العقوبات التي اتخذت في أعقاب لجوء السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، للاعتراف بالدولة الفلسطينية والمنظمات الدولية الأخرى منذ أواخر أيلول من العام الماضي، ويشأن بادرة إطلاق سراح عددٍ من الأسرى الفلسطينيين، وتقديم بعض التنازلات على الأرض في أجزاء من الضفة الغربية. ولا شك فإن درجة التصنيف هذه، التي حصلت عليها' إسرائيل'، ذلك لأنها لم يكن في نيّتها تقديم أي نوع من التنازلات، أو حتى التفسيرات المطمئنة للسلطة الفلسطينية، بل إن رئيس وفدها الإسرائيلي'إسحق مولخو'، لم يكن تقدم أو قام بالتوضيح للجانب الفلسطيني أو للجنة الرباعية، موقفه من المسائل الكبرى، وأهمها مسألة الحدود، وإصراره على تجنبت الخوض فيها، وكأن الأمر مبيّتاً له، ذلك ما كان بادياً من تصريحات قادتها ومسئوليها، من خلال إبرازهم شعار، انعدام الآمال في التوصل إلى تحقيق تقدم، بحجة ضعف الشريك الفلسطيني وتلويحه بالمفاوضات المشروطة، وحتى في المديين المنظور والبعيد، وأما بالنسبة لمسؤولية السلطة الفلسطينية، هو انجرارها السريع، للموافقة على إجراء مثل تلك الاجتماعات، وإن كان حياءً من الطرف الأردني، حيث كان من الصعب قول 'لا' للملك الأردني' عبدالله الثاني' الذي كان على أملٍ ليس بالقليل، في أن تجلب تلك الاجتماعات، شيء من التقدم في عملية السلام، وذلك كما يبدو من خلال عددٍ من الأوراق المهمة، التي يمتلكها في مقابل التعنت والصلف الإسرائيليين، كان أومأ بها الملك الأردني ضد إسرائيل، باتخاذ الإجراءات الضرورية واللازمة، التي من شأنها أن تضر 'إسرائيل' في حال لم تثبت جدية واضحة، في الشأن التفاوضي مع الجانب الفلسطيني، وهي الإجراءات التي من شأنها، أن تقوي صورة الملك الأردني، في مقابل عدم الجدية الإسرائيلية في التوصل إلى حل عادل وشامل، ومن ناحيةٍ أخرى، الممارسات الاستيطانية والعنصرية على الأرض. ومنها العلاقات مع إسرائيل، التي تعتبر الحلقة الأضعف الإسرائيلية، وإن في هذه المرحلة بالذات، خاصةً وسط الضوء الساطع للربيع العربي، وكان الملك الأردني قد مهّد لتلك الاجتماعات، حينما أعلن بأن تختار 'إسرائيل' ما بين الديمقراطية، وجملة السلوكيات المرفوضة، ضد الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، والتي كانت قد بُدأت بعدم استحسان استقبال ممثلاً عن حكومة 'بنيامين نتانياهو' إلى العاصمة عمان، دون تقديم تنازلات ذات شأن، يتمكن للفلسطينيين بالسماح لأنفسهم المقدرة على تبريرهم، عودة السلطة إلى طاولة المفاوضات. وكانت ذكرت بعض المصادر، بأن هناك الكثير من الأوراق الأردنية، التي لدى الملك الأردني، بحيث يمكنه استخدامها ضد إسرائيل، وأولها إجراءات يستطيع إلغائها أو تعليقها، هي ذات صلة بمعاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، وبالتدرج هناك إمكانية لتجميد جميع العلاقات الثنائية بين البلدين، وهناك الأمر الأهم، وهو عدم التضييق على المعارضة الأردنية في الداخل، من عملية التقارب التي تحاول السعي لإنضاجها على نحوٍ أعمق، مع الجمهورية الإيرانية، وهذا بلا شك أكثر ما يُغيظ 'إسرائيل'، والذي يدخل في حساباتها، جنباً إلى جنب مع بقية القضايا المقلقة لإسرائيل. ومع ذلك فإن الناظر إليها، لا يمكنه أن يتوقع جنوحاً إسرائيلياً على قدرٍ يمكن الاعتداد به. وبالرغم من أن الجميع، قد وضع الكرة في الملعب الإسرائيلي، فإنه ليس لديهم أية توقعات عالية، بأن إسرائيل ستعلن الاستجابة لمطالب الفلسطينيين، حول تجميد الاستيطان، والاعتراف بحدود عام 1967 كأساس للمفاوضات.على أية حال، وفي ضوء النتيجة المخيبة للآمال هذه، سيتحتم على الفلسطينيين أولاً، إلى تدارس الوضع بجديةٍ أعلى، وعلى موقفٍ أقوى من الحزم، تجاه السلوك الإسرائيلي العابث، والمدعوم أمريكياً وأوروبياً، بطريقةٍ أو بأخرى، وفي انتظار ما تقرره لجنة المتابعة لجامعة الدول العربية، التي لا بد من اتخاذها الإجراءات الكفيلة، لصد ومواجهة 'إسرائيل' بما لديها من إمكانات ونقاط قوة، بالإضافة إلى المضي قدماً، في الاستمرار بالتحرك الدبلوماسي العربي- الفلسطيني، باتجاه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
ق.م