اوسلو -
- كتب محمد رشيد :
معضلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هي "التفاوض"، فمنذ نهاية العام 2000 وبداية العام 2001 انهارت إمكانيات الوصول إلى أي اتفاق سياسي نهائي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من خلال "التفاوض"، بل وأصبح من سابع المستحيلات، خاصة بعد أن كشف الطرفان عن نواياهما، كل للطرف الآخر، ولم تعد أمام طرفي النزاع و حلفائهما إلا التسليم للواقع واللجوء إلى سياسة "إدارة الأزمة"، وجعل دورات التفاوض بين الطرفين جزءا من إدارة الأزمة تلك، مع بعض الصراخ المضلل هنا وهناك.
فببساطة فظة، يعرف الرئيس محمود عباس، وكذلك من تعاقب رؤساء لحكومات إسرائيل "شارون وأولمرت ولفني ونتنياهو"، أن الوصول الى أي اتفاق سلام، أو تعايش، يحتاج الى أضلاع المربع الأربعة، الحدود والقدس واللاجئين والأمن، ولكن، وبعد سلسلة من الخيبات الطويلة، أصبح "تخميس" المربع واجبا، فلم يعد لدى الجانبين قيادة قادرة على اتخاذ قرارات "تربيع" الحل، فعلى الأقل، لم يعد لدى القيادة الفلسطينية، تفويضا شعبيا وسياسيا بذلك، في ظل تعطل المسار الديمقراطي الفلسطيني، وانهيار الشرعية القانونية لرئاسة السلطة الفلسطينية منذ بداية العام 2009، واعتماد مبدأ التعيين للرئاسة الفلسطينية من قبل الجامعة العربية، وبحكم الأمر الواقع، حصل الشيء نفسه على المستوى الدولي.
أما على مستوى التفاوض، فالمشهد "سوريالي" أكثر، فمقابل مفاوض فلسطيني واحد هو الدكتور صائب عريقات، استهلكت إسرائيل جيشا من المفاوضين، وكلهم يبدأون مع الدكتور عريقات من أول الطريق، مما يضطر "شيخ " المفاوضين الفلسطينيين الى تربية النشئ الجديد من المفاوضين الإسرائيليين على يديه، يستعرض لهم التاريخ منذ منتصف العام 1994 وحتى يومنا هذا، ويسلمهم قائمة خروقات إسرائيل الواحدة والثلاثين "وربما زادت الآن" ثم يرحلون، ويبقى هو، ومن باب خفة الدم، قال لي مسؤول إسرائيلي كبير قبل سنوات، كل شيء في الشرق الأوسط سيتغير خلال السنوات العشر القادمة، إلا ثلاثة ثوابت، سألته، ما هي تلك الثوابت الثلاثة؟ فرد، أهرامات مصر، و شمعون بيرس، وصائب عريقات.
إذن لا فائدة من المفاوضات، وليس أنا من يقول ذلك، بل تقوله سلطة الرئيس عباس، وذلك يعني أنه لا فائدة من المسار السياسي مع هذه الحكومة الإسرائيلية، ومع التي سبقتها، و"ما بعد، بعد" حكومة نتنياهو، ومفاوضه الإسرائيلي المخضرم "اسحق مولخو "، الذي عاد إلى الطاولة محاولا تحدي الأرقام القياسية للدكتور عريقات، فقد كان "مولخو" أول مفاوض إسرائيلي اجتمع مع الرئيس ياسر عرفات في الحكومة الأولى لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحضوري والأخ محمد دحلان، في العام 1996، لكن ومن حيث "الأقدمية"، لا قلق إطلاقا فالدكتور صائب عريقات لا يزال يحتفظ بالترتيب الأول، متقدما على السيد "مولخو" بست سنوات على الأقل، مما يحفظ لفلسطين الرقم القياسي لأطول مفاوض في التاريخ السياسي، على الأقل لمنطقتنا.
و هذا ليس رأي جديد لي، ففي أيار/مايو 2005، وخلال مؤتمر "دافوس" المصغر، على ضفاف البحر الميت في الأردن، قابلت العاهل الأردني جلالة الملك عبدالله ابن الحسين، مع مجموعة من الأصدقاء، وفي نهاية اللقاء قال لي جلالته "لا تسافر قبل أن أراك"، وفي اليوم التالي تشرفت بلقاء جلالته في القصور الملكية في عمان، وكان مفعما بالتفاؤل، فقال لي، رحم الله الرئيس عرفات، لقد أمضى حياته كلها في خدمة الشعب الفلسطيني، وأضاف جلالته، لكني أعتقد أن لدينا فرصة لإحراج المجتمع الدولي، والتحرك بصورة مكثفة، لتحقيق إنجاز تاريخي للشعب الفلسطيني.
كنت أستمع الى جلالته، وأحس بشغفه وتلهفه وقلقه من ضياع الفرصة على "أخوال أولاده" ولكن لم يكن لي أن لا أكون صادقا مع جلالته، فقلت "الأردن بحاجة الى كل دقيقة من وقتكم، ووالله لو كنت أشعر للحظة واحدة أن الأفق مفتوح لعملت كل ما تأمرون به فورا، لكني، وأسف على قول ذلك، لا أرى قيادات على الجانبين مستعدة للمخاطرة، ويفضل كلا الطرفين مبدأ السلامة السياسية والشخصية، وختمت، ربما دول أخرى في الجوار الأردني بحاجة ماسة الى جهود جلالتكم، مثل الديمقراطية في سوريا، أو السلام الداخلي في العراق ولكن الى غرب النهر، لا مجال لأي اتفاق".
قيل لي يومها إن الملك عبدالله لم يُحب ما سمع مني، فقلت، أنا متأكد أن جلالته لا يحتاج من يكذب عليه، والآن، وبعد سنوات سبعة، وفي ظل الجهود الهائلة التي يبذلها لبلورة حل يؤمن للشعب الفلسطيني دولته العتيدة، ما زلت لا أرى ذلك ممكنا، وإن كان ما يبذله العاهل الأردني من جهود كبيرة لها إيجابية قصوى في ترسيخ الثقة بين شعبين شقيقين، ويكشف الغطاء عن كذبة إسرائيلية قديمة "إن الأردن لا يحب أن يرى دولة فلسطينية مستقلة في الغرب".
وبالعودة الى أضلاع "المربع الذهبي" لحل سياسي للقضية الفلسطينية، فإن طلاب المدارس الابتدائية الفلسطينية يستطيعون إعطاء محاضرة كاملة بذلك، فمن جهة تعتقد إسرائيل باستحالة العودة الى خط حدود الرابع من حزيران 1967، وفي أفضل مقترح إسرائيلي رسمي، لم يتعدى المعروض عن 82% من أراضي الضفة الغربية، أما في قضية اللاجئين، فلم يتعد الأمر بضعة عشرات الآلاف، ولكن ليس كحق للعودة، بل حالات "إنسانية أو لم شمل"، والقدس، التي لطالما ضللت القيادة الفلسطينية نفسها، بأن حكومات إسرائيل ليست جادة في تمسكها بالقدس، وإنما تفعل ذلك من باب المناورة السياسية، فإنها كانت معضلة الشهيد الراحل ياسر عرفات، ومفاوضات "كمب ديفيد في تموز/ يوليو 2000" انفجرت على هذا الموضوع تحديدا، أما الضلع الأخير من المربع الذهبي "الأمن" فلكلا الطرفين مفهوم بعيد جداً عن الآخر، بعد الماء عن النار.
إذن، كيف يمكن حل المعضلة؟
لم يعد هناك، وكما قلت أعلاه إمكانية لأي حل "تفاوضي"، فإما حل مفروض دوليا وإقليميا، أو هزيمة عسكرية تجبر الطرف الخاسر على القبول بشروط المنتصر، ولا يبدو الشعب الفلسطيني جاهز لتقبل النتائج السياسية والوطنية لأية هزيمة عسكرية.
لقد رسم أبو عمار رحمه الله خط النهاية، ولن يكون هناك فلسطيني يجرؤ على قبول ما هو دون ذلك، وإسرائيل على مسافة آلاف السنوات الضوئية عن ذلك الحد الأدنى، وذلك ما أقنع الشهيد أبو عمار "أنه رباط إلى يوم الدين".
أ-س